سقفٌ ضيق!

تلك الخطوات التي قطعت الرصيف بها ثم الشارع، خطوات كسيرة هادئة و كأنني ألقي بكل شي خلفي، وما إن وصلت إلى المنزل إلا وألقيتُ بجسدي المتهالك على المقعد القريب، و أنا أشعر بأن أشياء عديدة تنتشر و يتسارع سيرها بين أروقة شراييني و أوردتي الضيقة.

أشياء صماء، عمياء، تتقن صُنع الضياع، و تتقنُ سدَّ كل النوافذِ التي قد تسمح للجسد أن يذوق طعم التنفس شهيقًا و زفيرًا.

وما إن يزداد الضيق إلا و تتملكني رغبةً في الخروج من المنزل، لكن إلى أين؟

والشوارع تخشى أن تحمل شيئًا يسير عليها و يتساقط منه أشياء ثقيلة!

حتى تسمرت على ذلك المقعد، مستسلمة لأجواء الروتين القاتل الذي يبدأ بتمرير الصفحات لمشاهدة ما فيها. وما إن سقطت عيناي على خبرٍ يقول بأنكَ رحلتَ مع الموت إلا و توقف دورانُ كل شيء!

وظلت تلك الثانية واقفة، لا أتنفس، لا أشعر، لا أنتمي للكون الذي يدور!
أيُّ شعورٍ ذاكَ؟
أيُّ ذهولٍ ذاك؟
لا أعرفكَ أبدًا، لم أهتم يومًا بأن أعرف أصلاً.
فما الذي جعل موتك يصنع كل ذلك بي، فيتملكني الحزن و الذهول لحدٍ جعلني فيه أبحث عن أي شيء ليعيدني إلى الكوكب الحي!

لقد سارعت إلى الخروج من العالم، و لو كان ذلك بحشر نفسي كحلزون في سريرٍ عليل و النوم و النوم و النوم إلى ما لا نهاية.
النوم الذي كأني به أبعد الأشياء الكثيرة التي تود مهاجمتي، فأهرب من ضجيجها مغلقةً الباب لأبقى وحيدة في فراغٍ ساكن!

كم هي التفسيراتُ ضئيلة حتى تكاد تتلاشى، للأشياء التي تدور فيّ و لا أعلم لها قرار.
كم من الأمور مدهشة للحد الحزين، المبكي، الضيق الذي لا نبصر معه و لا نسمع و لا نرى!
و أيُّ لحظةٍ تلك التي تتوقف فيها الحواس، و يكاد العقل أن يتهرب من نفسه إلى نفسه فلا يجد جوابًا لكمية الأسئلة المركونة في مهماته الواجبة!
إنني أستمر في تلك اللحظة لأيام، فلا أجد حديثًا أتفوه به، و لا رغبةً لملاقاة أحدهم، و لا حتى بصيص نور في هذا المكان أو ذاك.
يالحماقة دود الصمت أكل الأحرف من لساني، فما عادت الأمور إلا صماء لا تتحدث!

رحمكَ الله يا د/ غازي القصيبي رحمةً واسعة.
فهل كنتَ تتوقع يومًا أن يتألم لكَ من لا يعرفكَ؟
و هل كنتُ أتوقع أن يأتي خبر موتك في لحظة مريضة أصلاً فيُحدث بي ما أحدثه؟
أعتقد أن الأشياء التي تضعنا في قائمة الضائعون المتألمون لا تفعل أمرًا جديدًا بل تأتي مكملةً لما سبق و هكذا يتضاعفُ تأثيرها.

اللهم أشرح لي صدري الذي من شدة ضيقه تكادُ ضلوعه أن تلتصق…

ابتسام فهد

 16/8/2010

 

~ بواسطة ابتسام فهد على 18 اغسطس 2010.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.