حقًا، لا أعلم!
لقد كبرتْ و أصبحتُ مسنة حتى الشيخوخة ما عادت تنفع، و أني أنوي الرحيل فإن رحلت فلن أجيب أحد و لن أترك خلفي رسائل!
سأتركُ مخطوطاتي مشتتة، من يبحثُ خلفَ عجوزٍ تكتب فيجب عليه أن يؤمن بأن هناك لا شيءَ واضح!
كيفَ يعودُ الدهر الذي رحل بعمري، بحلمي، ببقايا أشيائي؟!
لقد ظللتُ طويلاً بجانبِ نافذةٍ مُغلقة، أرتقبُ الأشياء التي تحدث و الأشياء التي ستحدث.
كنتُ الفتاةَ التي تمتلكُ جدارًا خفيًّا، لا يمكن أن يراه أو يدل طريقه أحدٌ سوآي.
حين وُشمت على الجدارِ مئاتُ البصمات، و زادت براويزُ الصورِ المُعلقة؛ أصبح الجدارُ عتيقًا كأنما يُصارعُ مرضًا مزمنًا!
و في كل مرةٍ تُوضعُ بصمةً و يُعلقُ بروازًا، يكونُ العمرُ مني قد انسحب و أزدادَ العددُ فوق العدد!
يدي التي أكلتها التجاعيدُ وهي تتحسسُ الفصولَ الأربعَ من خلف نافذةٍ لا يُمكنُ أن تُفتح.
و بكائي الذي كان يتحدثُ مع العصافيرِ في كلِ صباحٍ من خلفِ حواجزٍ لا يُمكن أن تنحل.
أنا التي كنتُ أتراقص مع نغماتهم و أحلق مع أحلامهم، أنا التي كنتُ أشدو بأغنيةٍ تلو أغنية، و بيدي الحبوب التي اعتادت تلك العصافيرُ أن تتغذى عليها و على شراييني!
لا يمكنُ أن يبقى بجانبي أحدٌ دون أن يختنق، إنها الحقيقة…
فمن أين يكونُ الهواءُ نقيًا و قد انتشرت في كل زاويةٍ أغبرةَ الزمنِ الذي رحل و بقي قدره يُطاردُ الأيام التي قالوا بأنها قادمة؟
من أين و أنا قد دفنتُ الأشياء في توابيتَ خشبيةٍ عليها أكوامٌ من الأسى الملوث؟
و كلما أردتُ ترتيبَ الجدارِ و مسح غبارِ الأحداثِ الراحلة و التي انتزعت من العمرِ الكثير تأتي أحداثٌ جديدة تجعلُني في قبضةِ المسئولية، و تريدُ أن تأخذ من طاقتي أجزاءٌ لا تنتهي.
من أين لعجوزٍ طاقةٌ كافية بقدرٍ لا ينقطع حتى تمد تلك المسؤوليات الجديدة و الكبيرة؟
من أين و كل شيءٍ بدأ يشيخ و يتقوس ظهرهُ و تختفي ملامحهُ بين التجاعيد؟
أتراها الأشجارُ قد تنتزعَ الأمانَ من قلوبِ العصافيرِ يومًا؟
إن فعلت ذلك و بقي السربُ مهاجرًا فمتى يُخلقُ الوطن؟
أم أن السماء التي كانت يومًا للتحليق ستغدو طرقٌ للمشردين منهم و الراحلين!
.
يا إلهي، أيُّ موجةٍ حمقاء تلك التي تجعلني أكتبُ الآن و رأسي قد أُصيب بلوثةٍ مكررة؟
رأسي الذي دار حتى أنكسر محوره، و بقي يعاني الصداع اللّعين.
ما كُتب بالأعلى لا ينتمي لتركيزي الضائع، لا ينتمي لذاكرتي التي تتلاعبُ بي
فتارةً تجعل كل الصورِ و كأنها قد حُذفت تمامًا، و تارةً تجعلني مغموسةً في أرذلِ الأحزانِ من تلك الصور!
ما كُتب بالأعلى مخطوطاتُ عجوز، فقط الذين يحبونَ معاشرةَ كبار السن؛ هم الذين سيقدمون لي صوتًا في ظلِ أنني أعيشُ مع نافذةٍ مُغلقة!
.
.
.
ابتسام فهد
التاسع عشر من يونيو 2010


صورٌ ك العهنِ المبلل ياابتسام
ثم إن تلكَ البراويز , قد دققتها ب ضلوعي
“أنا شيخٌ ولي روحٌ صبية” ..
يا ابتسام , هذا الشُتات المدوزن
يُنبت جناحينِ وشيخوخة فوق كتفي ..
حديثٌ الجنة هذا ..