دماء برائحة المسك
دماء برائحة المسك
على ساحة الموت ..
بين بقايا الأجساد المتناثرة أرضاً ..
وبين حُطام الأسلحة ..
هناك حيث تعتصر القلوب ألماً ..
و تهاجر الطيور هرباً ..
تأتي الرياح مارة من بعيد ..
ليكون صوتُها إعلان أن النهايةَ قد حلت..
و أن الموت اكتفى من الأرواح ..
فقد ذهب من ذهب و بقي من بقي يئن من الجراح..
***
يا دماء الطهرِ لستِ كأي دماء ..
كالمسكِ رائِحتُكِ ..
كـ جوريةٍ حمراءُ منظَرُكِ ..
تنسكبين تضحيةً على الرملِ ..
و ترفعين رايةً بيضاء بكلِ صبرٍ ..
***
دماء برائحة المسك ..
على تلك الساحةِ قد نُثِرت ..
تعدت أصاحبها لتجريَ كـ نهرٍ عذب ..
تسيرُ راسمة طريقُها بنصر ..
ليشهد العالم دماً أمات صاحِبَهُ ..
ليُعيد الروح سالمة لجثة العدل ..
***
شهيدٌ يُكفنُ بالأبيض ..
دون لمس دِماءِهِ أو غسلِها ..
فـ كيف يُغسل دماً له عبيرٌ لا يُمل ..؟
بل كيف يُغسل دماً يشهد أن التضحية كانت بالنفس..؟
بل كيف يُغسل دماً لم يخَفْ صاحِبَهُ في الدين لومة لائم ..؟
بل كيف يُغسل دماً كان لروحٍ تحمله فتنة عظيمة هي فتنة الحياة..؟
***
يا دماء الطهرِ أنتِ شهادةٌ ..
لا تحتاجُ للأقلامِ ولا للكُتبِ ..
يا دماء الطهرِ أنتِ بدايةٌ ..
للعزِ للفخرِ للجنةِ ..
يا دماء الطهرِ أنتِ رمزٌ ..
للفرسانِ للإسلامِ للنصرِ ..
***
اخترقتُ القرون وعُدت إلى الخلف إلى زمنٍ مضى ..
سرت بين الديار لأقف متلفعة بجلبابي على بابِ ذاك الدار أستمعُ و أُشاهد ما يحدث بالداخل..
تقول الأم : بُني حبيبي حقق أمنيتي ..
يقول قد قبْل يديها : لكِ ما تريدين أماه .. فأمري.
فضمته إلى الصدرِ والدمع من عينها يجري : بُني إلى الجنان إلى الحور أُريدكَ تشتري..بالنفسِ بالأموالِ بكل ما تملكُ من صبرِ.
ينظر إليها بحبٍ وخوف : أماه أأذهبُ و أترككِ وحدَكِ..؟
تقول و للصوتِ أنينٌ وقوة : وهل نسيت أن الله معيّ .. أذهب بُني فالجنةُ هيَ مطلبي .. وحورية لك زوجة تلك أمنيتي.
فلا يرد لها طلباً بل يقبْلُ جبينها : رضاكِ راحتي .. و لأمنيتكِ أنِّي ذاهبٌ للحرب.
فينهض قد استعد للموت .. وقد استعدت تلك الأم لرؤية دِماء أبنها..
فـ يخرج قد حمل روحه بين يديه قائلاً : لله أنتِ .. فعودي إلى الله مجاهدة في سبيله.
وحين يخرج بعد أن مكث في حضن أمه دقائق معدودة علّها أن ترحم حال الأم المتألمة من الفراق.
يذهب لساحة الموت فَيُقاتل بكل قوة ..
حتى يهوي جسده طريحاً على الأرض ..
فتجري دماءَهُ بطهر ..
وبنطق الشهادةِ ينتهي ..
إلى الجنانِ مقرهُ ..
إلى الحوريةِ مصيرهُ ..
وحين أعود للأم أنظر حالهَا ..
أجد دموع فرح و صوتٌ يُردد : الله أكبر .. ربِ أجمعني بـ ولدي في الجنة فأني قدمته هدية إليك ..
و يبدأ بكاءَ صبر من أمٍ مكلومة ..
حتى يبكي قلبي معها قبل عيني ..
لأعود إلى هذا القرن ببقية دموع ..
و أكتب بكل ما أملك من أحاسيس :
دماء برائحة المسك
شهادة عِزة لا تموت.
ابتسام فهد
العاشر من يونيو/2009

