أهُناكَ شيءٌ آخرْ؟
لم تكن تلك الليلة التي قضيتُها خارج المنزل في أجواء شديدة البرودة سوى احتفال بـ ذكرى السنةِ الثالثة !
بعيداً عن الرياض مكثتُ في شتاء لم أجربُه مُسبقاً ، إنني لا أتنازل مطلقاً بـ الخروج عن المدينة التي تحتل مكاناً عظيماً في قلبي (الرياض) وخصوصاً في طقوسها الشتائية ، التي أحب دائماً أن أشاركها فيها فأعتصر برودةً و سكوناً.
لا بأس كانت تجربة جديدة و كنت في أتم الاستعداد لخوضِ أي شيء دون اهتمام .. لذا فأنا أقضي شيءٌ من الشتاء خارج حدود الرياض !
قررتُ أن أقضيَ تلك الليلة خارجاً دون الالتفات للبرد أو لنداءات الأهل.
لم أنسى كوبي المفضل من ال ‘coffee’ و الذي عاهدتُ نفسي مِراراً أن أتوب من الإدمانِ عليه..
و لكني لا ألبث إلا أن أحتاج له لكي يوقظ كل الحواس الساكنة في جسدي لفترة طويلة أستطيع فيها أن أبدأ بـ الولوج لعالمي البعيد حيث لا أحد سوى أنا و بعضٌ من ملامح الحياة!
كانت ليلة هادئة تشبه البحر حين يصمت دون أن يُحرك أمواجه ، ليلةٌ مظلمة و القمرُ ينيرُ جزءً منها !
شعرتُ فيها بأن عظامي تتداخل في بعضها من شدة الحصار الذي وضعها فيه البرد القارس ..
و مع ذلك عليها أن تحتمل فما زالت حواسي الساكنة مستيقظة ، تلك الحواس العنيدة و التي لا تنحني عن فعل ما تريد تجاه الظروف الصعبة.
دائماً ما يجتاحني في فصل الشتاء شعورٌ جميل يشبه سكون قطرةِ ندى على ملامح وردةٍ ساحرة ..
كأن روحي تتنبأ بأن وجه الكون الطاهر سـ يبتسم حين ينزل المطر الذي يغسل سواد البشر عن الكون، بداية من أعلى السماء و سقوطاً إلى أسفل الأرض و انتهاءً باختراق العمق و الاستقرار فيه.
لن أنساها !
تلك الليلة كانت بداية لأن تتحرر كل الأشياء المدفونة في العمق .. و تنطلق إلى حيث لا أعلم.
وحتماً أصابني المرضُ بعدها ، وهذا هو الجزاء لكل من يتحدى الشتاء بقوى جسده الضعيفة ، ظناً منه أنه يستطيع أن يُحمّل نفسه فوق طاقتِها!
هكذا هو الإنسان يتجاهل طاقته فـ يستمر متعدِياً الخط الأحمر دون اهتمام أو تفكير ، حتى يُصبحَ أخيراً بين خيَارين :
إما أن طاقته تُصاب بالوهن فلا يستطيع بعد ذلك تحمل أدنى شيء و إما أن طاقته تلك تصبح صلبه لا يُعطيها لأي شيء فـ لا شيء عنده يستحق!
أعتقد و لست أجزم أن الخيار الثاني أصبح أقرب إليّ مع القليل من الخيار الأول و لتعتبروه (mix) من نوع آخر !
حين يأتي الشتاء يهدأ كل شيءٍ في عالمي أنا .. فـ أتلبس السكون، أنامُ بصمت و أستيقظُ بصمت.
لا شيء يعكر صفو مِزاجي المتقلب كـ الصيف و لا تُنْثرُ أوراقيّ و تُرمى مجاراةً مع الخريف و لا أُجبَر أن أكون كـ الزهرة المنتعشة لأنه فصل الربيع!
الشتاء أحبُّ إليّ .. أقربُ لحنيني و أَقْدر على أبقائيّ هادئة و أجمل في رؤيتي لكل الأشياء بنظرةٍ باردة !
لم يكن هذا الشتاء عادياً .. فـ حين عودتيّ للرياض بعثرتُ كل ما علق بالذاكرة من سنين و لكن … بـ صمت !
هل شاهد أحدكم أبريقاً على النار يفور من الداخل و من الخارج لا يوحي لك بأنه يمكث تحت اللهب ، و قد تقترب منه جهلاً منك بالخطر فـ تحترق .. و يا للأسف !
إنني كنت تحت لهيب الذاكرة التي لم تدع أخضراً ولا يابِساً إلا أحرقته .. إنها تُمسك البشر العالقون بشريطٍ في دماغي فـ تُلقي بهم واحداً تلو الآخر!
و الشتاء يساعدها فـ يحاصر مشاعري و يُشددّ عليها الحصار حتى تجمدتْ فأصبحتُ لا أشعر بها !
أنها برودة المشاعر القاسية ، إنه الألم الذي يُهشم كل شيء و يجعله على قارعةِ الطريق ، فـ الشيء الذي لا يقتلك ربما يجعلك أقوى أو قد يجعلك أقوى بتبلد!
لم تدع الذاكرة شيئاً إلا بعثرته ثم رمته خارجاً حتى لا يُصيبني بالتعب مجدداً ، و إن عادت تلك الأشياء فلن يكون لها تأثيرٌ مميت كما كان.
كُنتِ قاسية يا ذاكرتي و أنتِ تُفرغين الأجزاء الممتلئة و التي ضقتِ بها ذرعاً ، لـ تستريحي و لأستريح معكِ!
أتركتْ الذكريات الجميلة من أوْلئك الذي أصبحوا خارجاً من حياتي و ذاكرتي ؟
لم يعد هناك شيء .. فمهما بلغتْ الأشياء الجميلة فإن بشاعةَ الألم تُقْبِحُها و تجعلُها سُوداء بشِعة.
.
.
مهلاً أيها الشتاء .. أرحل ببطء فما زِلتُ أُحبك !
و يا ذاكرتي ماذا بعد… أهُناكَ شيءٌ آخرْ؟
.
.
ابتسام فهد
الخامس من January \ 2010


وحده الشتاء .. يهديني الفرح ..
لأصلح به عطب شباكي الملوث بأصابعهم …!
راق لي مدادك ..
أهلاً بك rain ..
يُسعدني أن يروق لك مدادي.
شكراً لهذا الهطول العذب.