نطوي صفحة يومٍ من العمر قبل الخلود إلى النوم في ليلٍ مسح نور شمسٍ وضّاءة ..
وليس هناك ما يُضاف في أسطر الإنجازات في تلك الصفحة .. فقط بعض الخطوط الفارغة من الأهمية !
لنقف قليلاً قبل أن نُغلق أي صفحة من أيام العمر و نتساءل: كم لطخنا تلك الصفحة بأحزان أشبه بالسراب ؟!
كم أدميناها بـ هموم واهنة قد تكون أوهن من بيت العنكبوت ؟!
كم و كم من الأحلام التي رسمناها و ننتظر تحقيقها .. و كم من الرغبات شقت طريقها إلى أنفسنا ؟!
نجري خلف متطلباتِ أنفسنا مغمضين أعيننا عن الذي أمامنا، نصطدم به و نقاوم متجاهلين أي أثر قد يكون تشكل بسبب ذلك الاصطدام و نُكمل الجري وبكل سخف !
دعوني أقف و إياكم وقفة ساكنة تستقر في قلبي و قلوبكم ..
و نداء خاص لـ :
أنت و أنتِ يا من تبكون لأن الفريق المفضل خسر !
أنت و أنتِ يا من تشتكون أن الأحلام هُدمت و الأبواب قُفلت فقط لأن أحد رغباتكم لم يكن و لن يكن !
أنت و أنتِ يا من تهيمون في موجٍ كـ الظلل غارقين في بحور الحزن و الهم و الوهم لأجل شيء ما يسمى الحب !
أنت و أنتِ يا من تعتقد أنه ينقصك الكثير و الكثير من الأشياء !
أنت و أنتِ و هم و نحن جميعاً سخيفون جداً !
*هل تملك عينان ؟
إذاً أنت تملك نور تُبصر به كل ما تحب من أشخاص و طبيعة بل و يدلك لأن تسير هنا و هناك.
*هل تملك أذنان ؟
إذاّ أنت تملك حق الشعور بالضجيج و السكون و الاستماع لأنغام عصفور و دقات المطر و نداء من أم و أب و أخوة و من العالم أجمعين.
*هل تملك لسان ؟
إذاً أنت تملك حق الصراخ و البسمة و الحديث نيابة عن ما يخالجك من مشاعر و أراء، و تملك حق الإفصاح عن مشاعرك لأهلك لأحبابك بصوتك و لسانك.
*هل تملك قدمان ؟
إذاً أنت تسير إلى هنا و هناك، تقفز و تلعب و تملك حق الهروب و الركض بعيداً، تستطيع الذهاب لأي مكان و الأهم إنك تستطيع أن تقضي حاجتك دون مساعدة أحد.
*هل تملك قلب صحيح و كلى سلمية و كبد و معدة و أمعاء؟
*هل تملك أصابع سلمية من النقص أو الزيادة؟
*هل تملك وجهاً سليماً من التشويه و تملك شعر جميل و عينان جميلتان وشفاه باسمة؟
*هل تملك جسماً معافى؟ لم يهدم طاقته ضغط و سكر أو يفتت خلاياه سرطان خبيث أو تنخر الفيروسات شرايينك أو ينقص أوردتك دماً؟
*هل تملك أهل و أحباب و بيت دافئ يقيك برد الشتاء و حر الصيف؟
*هل تملك عقل تخاطب به العالمين و تنيره بالعلم؟
*هل تملك الطعام لتسد جوعك و ماء لتسد عطشك و سرير لتريح جسدك و لباس لتستر نفسك و تتزين به؟
و أكثر من ما ذُكر أنت و أنتِ تملكون، حتى و إن نقص شيء من ذلك فـ لديكم مزيد ..
ثم ماذا؟
نُميت الحياء من الله و نبقى نريد و نريد و نريد و إن لم يحصل ما نريد نقيم الدنيا بأكملها و لا نقعدها ..
نحبس أنفسنا في أوجاع لا تنتهي و نشعر بالحرمان ؟
أين الحرمان و أنت تملك ما يتمناه الملايين من عافية و أهل و أمن و استقرار ؟!
*
سلمى فتاة 21 سنة تفقد البصر نتيجة سقوطها قبل أسبوعين، هي هناك بين جدران المستشفى تعيش في العتمة اختفى نورها ليختفي من حياتها كل شيء جمالها و شبابها و أحلامها ..
أين كنا نحن حين سقطت سلمى و فقدت نظرها بلحظة ؟!
كنا في حياتنا غارقين ..
من أحق بالحزن نحن أم سلمى ؟
من أحق بالهم نحن أم والدة سلمى ؟
*
خالد شاب سليم يملك طموح عالي يخرج من المنزل و قبل أن يعود يأتي الهاتف ليخبر أهله بأنه وقع تحت حطام حديد لا يرحم ( حادث مروري ) لتكون النتيجة أن يفقد خالد قدرته على السير ويبقى على كرسي متحرك أمام عينين أمٍ أضعفها الحزن.
من يستحق الحزن يا خالد نحن أم أنت؟
من يستحق أن يبكي على الآمال نحن أم أنت؟
*
سعيد رجل متزوج و لديه أربعة أبناء مازالوا أطفالاً أكبرهم طفلة بعمر التسع سنوات أو أقل ..
يخرج مع صغيرته لقضاء أمر ما فـ يسقط و ابنته بين حطام السيارة و الدماء، لتشهد الموقف تلك الصغيرة و أبيها يلفظ أنفاسه الأخيرة..
تبقى حبيسة المستشفى تسأل أين أبي ؟
فيخبرونها بأن أبيكِ بخير لكنه مصاب و الحقيقة أن سعيد روح عادت إلى خالقها.
لتبكي الأم و تحمل في حضنها الأيتام و تظل الطفلة تتعالج نفسياً أثر صدمة أصابتها حين شاهدت الحادث و صورة دماء أبيها لا ترحل عن تفكيرها، و لا أعلم إن كانت قد علمت الحقيقة أم لا..
من أحق بأن يعيش الفقد نحن أم عائلة سعيد؟
من أحق بالصدمات و الآهات و الآلام نحن أم زوجة و طفلة سعيد؟
**
سخيفون جـــداً نحن ..}
نملك الكثير و لا نبالي ولا نشكر .. بل نطالب بالمزيد!
سخيفون جــداً..}
نغمس قلوبنا في هموم و أوجاع تافهه لا تستحق و نقول لا أحد يعاني مثلنا ..
سخيفون جــداً..}
لا نعطي النعم ما تحتاجه من حماية فـ لا نشكر و لا نحصنها عن المعاصي و حين نفقدها نبكي يارب أعدها إلينا.
سخيفون جداً..}
نبدأ يومنا عابسين محملين بالغم و ننسى أن نبتسم ذاكرين الكم الهائل من النعم التي نملكها و نقول بصوت نابع من القلب الحمـــــد لله.
سخيفون جــداً..}
حين تبقى أسطرنا ملوثة بكمية هائلة من الدناءة تحت مسمى موهبة و بوح و مشاعر و حب، و ننسى أن هناك من الأمور ما هو أحق بأن يُخلد في سطورنا.
سخيفون جــداً ..}
حين نتناسى أوجاع أمتنا و أخواننا و نغفل لاهثين خلف أنفسنا و ننسى أننا قد نكون يوماً في أماكنهم إما تحت قسوة مرض أو مصيبة فقد أو ضياع طموح.
**
هيَ دعوة لنغسل قلوبنا و عقولنا بماءٍ طاهر، لنفكر بتلك الأشياء الجميلة في حياتنا و التي لا نحصي أن نعدها فكـيف بنا أن نحصي شكرها.
لنكف عن العيش في السواد و نسافر لمستقر أبيض لا يُنادى فيه إلا بالجمال.
لنحيي الأمل في حياتنا مهما كثر الابتلاء و مهما هُدمت الأحلام فمن يملك رب هو الله يجب أن لا يبكي ولا يحزن .. لندفن اليأس في تراب النسيان و نجعل موته موت لا بعث فيه.
لنكف عن إشباع أوهامنا بالحزن و الغم الذي لا سبب حقيقي له.
لننهض من جديد بعد سباتٍ طال ونرفع أيدينا صبح مساء حامدين شاكرين داعين لأخوتنا، لنتمثل في جسدٍ و احد تتألم أعضاءه معاً.
**
أيام العمر لن تعود، فـ لنقص شريط افتتاح يومنا بـ حمد الله و شكره و التوكل عليه و القيام بواجباتنا الدينية على أكمل و جه ..
لنسير خطواتنا بابتسامة و تفاءل و نظرة إلى السماء تفتح لنا الأفاق.
لنخلد إنجازاتنا، فـ أن تقوم سليماً معافى و تصلي صلاة الفجر كامل الأعضاء و في دنياك من تحب فـ ذاك إنجاز و على مثله يكون لديك إنجازات عظيمة في يومك.
و قبل الخلود إلى النوم لا تنسوا أن تسطروا إنجازاتكم تلك في مُخيلتكم لتبني لكم بداية يومٍ جديد قد تعيشونه غداً.
ابتسام فهد
November 2009
أرسلت فى دفء النور
أحدث التعليقات